أخر الاخبارمنوعات

أسامة حراكي يكتب: رحلتي إلى المغرب

 

بلد من قرون وكتب القصاصين تتحدث عن جمال طبيعته وطيبة أهله ورونق عمرانه، وضعت خطواتي الأولى على أرضه التي دارت عليه حروب الرومان والمرابطين والموحدين والإنجليز والإسبان، وحين استقر على هويته العربية الإسلامية، كان قد أخذ من البعد الحضاري لكل هذه الثقافات والحضارات مجتمعة، والتي أكسبته بعده العالمي، بلد كان كل يوم يهدي إلينا أجمل اللوحات بشواطئه الممتدة على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وثلوج قممه الشاهقة وينابيع مياهه المتدفقة وغاباته الكثيفة، وبجمال مدنه العتيقة وإبداع مرافقه المتطورة، بلد كنا كل يوم فيه نكتشف المزيد.

كازابلانكا “الدار البضاء”:
الدار البيضاء أو كازابلانكا بالفرنسية، فكازا تعني دار وبلانكا البيضاء وهي أكبر مدينة في المغرب، تقع على بعد حوالي 95 كم جنوب العاصمة المغربية الرباط على ساحل المحيط الأطلسي، وهي واحدة من سلسلة المدن المغربية الممتدة على شواطئ الأطلسي، فقد طورت من ميناء صغير لا يثير الانتباه في مطلع القرن العشرين إلى مدينة كبيرة تعتبر اليوم العاصمة الاقتصادية والتجارية للمملكة المغربية، وهي المدينة الأولى في المغرب، والثالثة في أفريقيا من حيث عدد السكان بعد “لاغوس والقاهرة” إذ يقطنها نحو ثلاثة ملايين ونصف نسمة، وبالإضافة إلى كونها مدينة لا تنام فهي محافظة على طابعها المغربي الإنساني، ففنها المعماري ممتزج بين القديم بأبنيته المنخفضة والمنتظمة الشكل والحديث بمبانيه الشاهقة والفخمة كالمركز التجاري بشركاته ومصارفه وبيوت المال والفنادق الكبرى والحدائق العامة، وصلناها صباحاً عبر مطار الملك محمد الخامس، وأول ما قمنا بزيارته مسجد الحسن الثاني.

مسجد الحسن الثاني
يقع على الساحل بمساحة فدان وهو أكبر مساجد البلد وثامن أكبر مساجد العالم، مئذنته أندلسية الطابع ترتفع 210 أمتار وهي أعلى بناية دينية في العالم، بني في فترة حكم الملك الحسن الثاني، بدأ العمل فيه عام 1987 واكتمل في ليلة المولد النبوي الشريف عام 1993 وتتعدد الأبنية الملحقة به لتشكل مجمعا ثقافيا متكاملا، وتزين جدرانه وأعمدته زخارف الزليج أو فسيفساء الخزف الملون وخشب الأرز المحفور الذي يغلف صحنه والجبس الملون والمنقوش في الحنايا والأفاريز، وقد صممه المعماري الفرنسي ميشال بينسو ونفذته المجموعة الفرنسية بويج.

“الإفريز هو شريطٌ بارز يشكل حسب صورة هندسية معينة على جدران المباني فيمكن أن يكون انسيابي أو منقوشاً مع زينة ذات أشكال نباتية ومنمقة أو هندسية، وغالباً ما يتكرر على امتداد أجزاء المبنى، يستخدم في الزخرفة المعمارية والأثاث والديكور، بالإضافة إلى وظيفة الإفريز الجمالية، فإنه يمكن استخدامه أيضاً لتوضيح نسب وتناسب واجهة المبنى، وعادةً ما يكون كما في الأعمدة الكلاسيكية مجزئة إلى ثلاث نسب هي القاعدة، والجذع، والتاج” “الزلَيج هو فن عريق بالمغرب والجزائر يعتقد أنه يرجع إلى القرن العاشر ميلادي، ورثه أهل المغرب العربي عن المورسكيين القادميين من الأندلس بعد سقوطها، ازدهر الزليج بالمغرب في مدينة فاس في العهد المريني حيث أدخلوا استعمال الألوان فيه كالأزرق والأخضر والأصفر والأحمر، ويتميز الزليج المغربي بخصائص فنية وتقنية أكسبته شهرة كبيرة في الخليج وأروبا وأمريكا، ويكمل سر انتشار الزليج في كل المجتمعات في كون الصناع استطاعوا التأقلم مع متغيرات العصر وفي نفس الوقت الاحتفاظ بطابعه سواء في صناعته أو شكله نظرا لخصوصيته، يستقطب الزليج اهتمام الفنانين التشكيليين والمهندسين المعماريين وعشاق التراث والأصالة، وعرفت هذه الصناعة انتعاشا ملحوظا وهذا بالرغم من ارتفاع فن الزليج الذي يصل إلى 600 دولار للمتر مربع في أصناف معينة.”

حي الأحباس
هو حي ثقافي وحضاري بامتياز، ففيه نجد كل ما نبحث عنه من ذخائر وكنوز فكرية في سلسلة من المكتبات المتراصة والمتجاورة، التي تعرض أخر ما جادت به مطابع بيروت والقاهرة والرياض وبغداد ولندن… من ثمار الفكر الإنساني والسياسي والفلسفي في مختلف تخصصاته، وفي حي الأحباس سوق شهير للملابس المغربية، كما يوجد سوق بالقرب من الميناء اسمه سوق باب مراكش، للملابس أيضا والهدايا التذكارية. ”

في يوم الخميس 9 فبراير افتتح ولي العهد الأمير الحسن يرافقه عدد من الوزراء والمسؤلين والدبلوماسيين، الدورة الرابعة والعشرين من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، بمشاركة أكثر من700 دار نشر من 45 دولة عربية وأجنبية.

وحلت مصر ضيف شرف المعرض هذا العام، حيث شاركت بوفد كبير ترأسته وزيرة الثقافة إيناس عبد الدايم، وأحمد عواض رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، وأحمد عواض رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، وأنور مغيث مدير المركز القومي للترجمة.

وشارك في المعرض نحو 350 كاتباً وباحثاً وناقداً، وقدم المعرض أكثر من 125 ألف عنوان كتاب في مختلف الأفرع من أدب ونقد وشعر ودراسات اجتماعية وسياسية وشروح وتفسيرات دينية، واستمرت الدورة حتى 18 فبراير.

“المدينة الحمراء التي لا تنام” مراكش:
وصلنها مساءاً ولا يمكن لسيارات الأجرة أن تتجول في مراكش التاريخية بسبب ضيق الأزقة ولتواءاتها، عمرها يقرب الألف عام ومازالت تغوي العشاق، يطلق عليها المغاربة المدينة الحمراء، مشيرين بذلك إلى اللون الأحمر الرملي الذي يصبغ بناياتها وبيوتها، لقد اكتسبت المدينة اللون الأحمر الرملي من الطبيعة، فالصحراء وصخور الهضبة والجبال المحيطة بها تكتسي بهذا اللون الجميل، الذي اصطبغت مواد البناء به وانعكس بدوره على مباني المدينة بدرجات لونية متقاربة، ما منحها هذا اللون الذي أصبح شكل الهوية المعمارية لمراكش.

ربما بسبب اسمها الجميل الذي لا يخلو من لمسة اسطورية، وربما بسبب ما ترسب عنها في الذاكرة من صور وأفكار وحكايات وآساطير.. ظلت المدينة تفرض سحرها المدهش على مدار الزمان، فهذه المدينة الواقعة بين حافات الصحراء والأطراف الجنوبية الغربية لسلسلة جبال آطلس العظيمة، لعبت دورا حضاريا وثقافيا ليس في منطقتها فحسب، بل في حياة شمال أفريقيا كله.

إن زرتوها عليكم أن لا تفوتو فرصة زيارة قصورها التاريخية، مثل قصر الباهية وقصر البديع والقبة المرابطية ومتحف المدينة وجامع الكتبية الذي سمي نسبة إلى سوق الكتبيين للكتب الذي كان موقعه بالقرب من الجامع، تم بناءه عام 1158 وهو يقع على مساحة 5300 متر مربع، فهذه المعالم التاريخية تلخص تاريخ المدينة ودورها الثقافي والسياسي لقرون خلت.

وأيضاً لا تفوتوا فرصة اللقاء مع الحواة والسحرة والمغنيين الشعبيين والراقصين وباعت الوهم وجها لوجه في ساحة مسجد الفناء قلب مراكش الذي ينبض ليل نهار، أمضينا ساعات فيها نهارأ وليلاً، هذه الساحة حقاً لا تنام، فالناس والباعة والمهرجون والسحرة والحواة والمطربون والعازفون يتبادلون الأدوار فيما بينهم بشكل تلقائي خلال ساعات النهار والليل، وكأننا في احتفال أبدي بدأ في لحظة عجيبة، في يوم ما ولم يعد بالإمكان إيقافه، في هذه الساحة تتوافد جموع الناس وتختفي بلا توقف، ينتقلون من مكان إلى آخر ومن زاوية إلى أخرى بحثاً عن الدهشة والمتعة بثوبها المراكشي.

عندما خاض الكاتب الإسباني خوان غويتسولو، إلى جانب المثقفين المغاربة، معركة شرسة ضد المنعشين العقاريين حينما حاولوا طمس ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش، وانتهت بإعلان منظمة اليونيسكو سنة 2011 الساحة تراثا إنسانيا شفويا، قال غويتسولو إن الساحة، هذا الفضاء المفتوح على الفرجة، هي «كل مراکش ماضيها، وحاضرها، ومستقبلها». وبمجرد إعلان اليونيسكو، تنام? النقاش في الوسط الثقافي والإعلامي حول ضرورة صيانة التراث الرمزي للمغرب والذي يعرف، بحكم تاريخه وموقعه الجغرافي، تفاعلا للعديد من الثقافات ذات الأصول العربية والإفريقية والأمازيغية والمتوسطية.

كنا لا نعرف كيف نرجع إلى الفندق فهو يقع في قلب المدينة العتيقة، في متاهات متقاطعة من الأزقة والدروب الضيقة التي كنا نضيع في ممراتها الملتوية، فكان بعض الصبية ينتظرون الزائرين التائهين من أمثالنا كي يدلوهم على الطريق، إن كل خطوة في دروب وأزقة مراكش تأخذنا بعيداً في الزمن، فهذه المدينة العجوز التي يقترب عمرها من ألألف عام ولدت سنة 1062 على يد المرابطين، وهم قبائل أمازيغية رُحل، ثم تطورت بسرعة تحت حكم السلطان المرابطي يوسف بن تاسفين، وبدأت تلعب دوراً ثقافياً وسياسياً في عموم المغرب والأندلس وشمال أفريقيا، وفي عام 1147 دخل الموحدون مراكش واتخذوها عاصمة لحكمهم، وما زالت آثارهم شاخصة حتى اليوم كصومعة الكتبية الشهيرة والأسوار وبواباتها، لقد حققت مراكش تحت حكم الموحدين إشعاعاً كبيراً جعل منها مركزاً ثقافياً واقتصادياً وسياسياً لا نظير له في الغرب الإسلامي، لكن حكم الموحدين لم يدم أكثر من 122 عاماً، ففي عام 1269 استولى المرينيون القادمون من الشرق على المدينة وفي زمنهم تراجع تأثير مراكش لأنهم اتخذوا من فاس عاصمة لهم بدلاً منها، لكن في عام 1551 استعادت المدينة مكانتها كعاصمة للسعديين، الذين في عهدهم تم تشييد منشآت جديدة أهمها قصر البديع ومجمع المواسين ومدرسة بني يوسف وهي تحفة معمارية تاريخية أثرية تعكس ازدهار الحضارة المغربية، تأسست عام 1346 وكانت تحتضن كبار العلماء والأدباء الذين درسوا العلوم الدينية والفقهية وعلوم أخرى، لذا تعتبر من أشهر مدارس المغرب التاريخية، وعندما حكمها العلويون فقدت مراكش مكانتها مرة آخرى لأنهم اتخذوا من مكناس عاصمة لهم، غير أن السلطان سيدي محمد عمل على إعادة المدينة إلى مكانتها، وذلك من خلال إنشاء أحياء ومعالم جديدة، ويقال أن مراكش اتخذت شكلها النهائي في فترة حكم هذا السلطان.

أخذتنا الأزقة الملتوية الممتدة من ساحة جامع الفناء، وما تضمه من محلات ومطاعم ومقاهٍ إلى سلسلة من المباني القديمة الشهيرة في مراكش، امثال قصر أكفاي ودار بلارج ومتحف مراكش، والقبة المراكشية لتروي كل هذه التفاصيل حكاية مدينة قامت منذ ألف عام وحُفرت عميقاً في وجدان المنطقة من خلال مآثر دول تعاقبت على حكم المغرب فشيدت الصوامع والقصور والمارستانات ” المصحة أو المستشفى” مقرونة بانتصارات عسكرية هنا وهزائم هناك، دارت كلها في فلك مدينة واحدة لتكون شواهد على عظمة مراكش، ويروي متحف مراكش جانباً من تلك القصة، ويقع في قلب المدينة القديمة ويحتل قصراً جميلاً تم بناؤه في نهاية القرن التاسع عشر، يروي جانباً من تلك الحكاية، يقوم على مبنى كان يسمى قصر المنبهي فقد بناه السياسي مهدي منبهي، ثم قامت مؤسسة عمر بن جلون بتحويله إلى متحف في عام 1997 والقصر بحد ذاته يعد متحفاً لما يضمه من نقوش وملامح معمارية تمثل العمارة التقليدية في مراكش بخاصة، والمغرب بصفة عامة، ويضم في أروقته وغرفه فنوناً حديثة وتقليدية، وكتباً تاريخية وفخاراً وقطعاً نقدية مغربية قديمة لدول سادت ثم غابت، ولم تكتفي مؤسسة ابن جلون بترميم قصر المنبهي، بل قامت في عام 1999 بترميم القبة المرابطية التي تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي، ومدرسة بني يوسف التي تعود إلى القرن السادس عشر، وحولتها إلى أماكن جذب سياحي وثقافي.

فاس:
هي رابع أكبر مدن المملكة المغربية بعدد السكان، تأسست عام 789 على يد إدريس الثاني الذي جعلها عاصمة الدولة الإدريسية بالمغرب، حيث احتفلت المدينة سنة2008 بعيد تأسيسها الـ 1200 وتنقسم فاس إلى 3 أقسام، فاس البالي وهي المدينة القديمة، وفاس الجديد وقد بنيت في القرن الثالث عشر الميلادي، والمدينة الجديدة التي بناها الفرنسيون إبان فترة الاستعمار الفرنسي.

كانت مدينة فاس أحد ركائز الصراع بين الأمويين في الأندلس والفاطميين الذين حكموا “مصر وليبيا وتونس”، وظلت المدينة تحت سيطرة الأمويين في الأندلس لمدة تزيد على الثلاثين عاما وتمتعت خلال تلك المدة بالازدهار الكبير، وعندما سقطت الخلافة الأموية بقرطبة وقعت مدينة فاس تحت سيطرة أمراء زناتة “الحكام المحليين للمغرب في تلك الفترة” سيطر بعدها المرابطون على المدينة، وتلاهم الموحدون الذين حاصروا المدينة تسعة أشهر ودخلوها، ثم قام بنو مرين بالسيطرة على المدينة بعد سقوط دولة الموحدين واتخذوها مركزا لهم بدلا من مراكش، وأنشؤوا مدينة ملكية وإدارية جديدة عرفت بالمدينة البيضاء، في عهد المرينيين عرفت مدينة فاس عصرها الذهبي، إذ قام أبو يوسف يعقوب المنصور ببناء فاس الجديدة سنة 1276 وحصنها بسور وخصها بمسجد كبير وبأحياء سكنية وقصور وحدائق.

في صياح اليوم التالي قمنا بجولة في دروب المدينة العتيقة، ومتاهاتها الضيقة المزدحمة بالمشاة وراكبي الدراجات النارية والهوائية، تجولنا في الأسواق المليئة بالصناعات الشعبية من حلي وجلود وأخشاب وعاج وتماثيل حجرية ولوحات فنية تستهوي ذائقة السياح، كما زرنا مسجد وجامعة القرويين التي تأسست عام 859 م وكانت مقصد الطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي وأوروبا، وهي أقدم جامعة في العالم.

مكناس:
تقع مدينة مكناس في ملتقى الطرق الواقعة بين الرباط والدار البيضاء غرباً، وفاس ووجدة شرقاً، وطنجة وتطوان ووزان وشفشاون شمالاً، وإفران ومراكش جنوباً، أحيائها ضيقة ومتعرجة مليئة بالأقواس التي تحتضن المارة، وبنائها ينفرد بالمعمار المستلهم من روح الهندسة العربية والإسلامية، بالإضافة إلى لمسات من الهندسة الغربية الأوروبية من بقايا الحقبة الإستعمارية، هي مدينة تختذل بطريقة أو بأخرى روح المغرب القديم، وتشكل رصيداً ثقافياً وحضارياً للأجيال على مر التاريخ لما تكتنزه من ثقافات وعمق روحي يمنحها القدرة على الزهو بماضيها وحاضرها على حد سواء، فإلى جانبها القديم ينهض جانبها المعاصر الذي يشبه في سماته ومعالمه المدن العصرية الحديثة.
“مكناس سجلت عام 1996 لدى منظمة اليونبسكو في قائمة التراث العالمي” ومررنا بها مروراً .

إفران:
هي من أقدم المدن المغربية الجبلية، وإفران كلمة أمازيغية تعني الكهوف، والتسمية مستوحاة من المغارات المنتشرة حول محيطها الطبيعي، تقع على ارتفاع 1600 متر عن سطح البحر، وتمتاز بالبرد القارس والثلوج التي تغطي سفوح جبالها في الخريف والشتاء واعتدال الجو في الصيف والربيع، وتجذب الزوار بشلالاتها المائية وطبيعتها الخضراء، تعتبر أنظف المدن العربية والثامنة عالمياً، تلقب بسويسرا الصغيرة لطابعها الأوروبي، قمنا بجولة فيها واستمتعنا بالغداء في إحدى مطاعمها.

أوكايمدن:
بالأمازيغية وادي الرياح الأربعة، وهو المنتجع الرئيسي للتزحلق بالمغرب ويبعد 74 كيلومتر عن مراكش، ويبلغ ارتفاع هذا الجبل 3200 متر، كما أن قمته مغطاة بشكل شبه دائم بالثلوج التي تظهر من بداية شهر نوفمبر إلى أواخر أبريل، قمنا بالتزلج في هذا الجبل الذي يضم بين جنباته أنواع من كل أشجار الأرض.

اقشور:
تقع مدينة أقشور على مسافة 30 كيلومتراً من شفشاون، وتتميز بجغرافيتها الجبلية، حيث تقع على الطريق الرابط ما بين شفشاون ومدينتي طنجة وتطوان، وتشتهر هذه المدينة بالطبيعة الخلابة التي تحتضنها التلال الخضراء الواقعة وسط الجبال، والتي تلفها العديد من مجاري المياه، حيث شلالاتها النقية، و سلكنا طريقاً مختصراً حتى وصلنا إلى قمة الجبل، حيث استغرقنا ساعتين مشياً على الأقدام، وأثناء العبور نحو شلالات أقشور لاحظنا جمال الطبيعة الذي يتمثل بلون خضرة الأشجار التي تختلط مع مياه الجداول والوديان التي تصب في سد يحميها من الفَيضانات أثناء موسم الشتاء، وأقيم السد على بحيرة حيث تشتهر بعمقها ونقاء مياهها وهي عبارة عن مسبح طبيعي.

شفشاون:
هي مدينة جبلية اسمها مركب ومعناه بالأمازيغية انظر للقمم، شف يعني انظر، شاون يعني قمم، مكثنا بها ثلاثة أيام استمتعنا جدا بجمالها، فكل بيوتها ترتدي لوناً أبيضاً ممزوجاً بالأزرق السماوي، تأسست عام 1471 م على يد علي بن راشد، لايواء مسلمي الأندلس بعد طردهم من طرف الأسبان، حيث كانت بمثابة قلعة للمجاهدين ضد الاستعمار، تتسم مدينة شفشاون بالسمات الجبلية، ذات التضاريس الصعبة والانحدارات المفاجئة والأودية المنخفضة والانكسارات الحادة، وقد عرفت وصول الفاتحين العرب كموسى بن نصير الذي بنى مسجداً له بقبيلة بني حسان شمال غربي شفشاون، وكذا طارق بن زياد الذي لا يزال هناك مسجد يحمل اسمه بقرية الشرفات، ومنذ الفتح الإسلامي للمغرب، أصبحت هذه المنطقة مركزاً لتجمع الجيوش، وفي عهد الأدارسة في القرن التاسع أصبحت المنطقة تحت حكم عمر بن إدريس الثاني الذي جعل من فاس عاصمة لإمارته، وشهدت المنطقة حروب ونزاعات مختلفة حتى تأسيس مدينة شفشاون في 1471م على يد مولاي علي بن راشد، لإيقاف الزحف البرتغالي على المنطقة، و تحتضن المدينة العتيقة لشفشاون مجموعة مهمة من المباني التاريخية التي تعكس إلى حد كبير الطابع التاريخي والحضاري الذي تكتسيه المدينة، ومن أحيائها حي السويقة وحي الأندلس وحي العنصر وحي الصبانين الذي يقع على طول الطريق المؤدية إلى رأس الماء، ويضم حي الصبانين مجموعة من الطواحين التقليدية التي كانت تستعمل لطحن الزيتون، كما يوجد به فرن تقليدي يجاور القنطرة التي توجد فوق نهر يسمى واد لفوارة، وحي منبع رأس الماء ويشكل منبع رأس الماء أساس بناء مدينة شفشاون، فهذا المنبع كان ولا يزال المزود الوحيد للمدينة بالمياه الصالحة للشرب والزراعة أيضاً، كما أنه شكل القوة المحركة للمدينة، وتتوسط المدينة ساحة وطاء الحمام وتعتبر ساحة عمومية بالمدينة العتيقة نظرا لمساحتها التي تبلغ 3000م كما أنها قطب المدينة التاريخي والسياحي باعتبار كل الطرق تؤدي إليها، صممت في البداية هذه الساحة لتكون مقراً لسوق أسبوعي يؤمه سكان الضواحي والمدينة، تغيرت وظيفة الساحة حالياً من سوق أسبوعي إلى ساحة سياحية واحتلت المقاهي مكان دكاكين البيع، وبها يوجد المسجد الأعظم والقصبة وفيها تقام المهرجنات، والقصبة هي منطقة محاطة بسور تتوسطه عشرة أبراج، وتجسد طريقة بنائها النمط الأندلسي في العمارة، يحتوي فضائها الداخلي على حديقة كبيرة مزينة بحوضين، في حين يحتل المتحف الاثنوغرافي الجزء الشمالي الغربي من القصبة، يرجع تاريخ بناء المبنى الذي يأوي المتحف إلى نهاية القرن 17م وقد بناه علي الريفي والي السلطان مولاي إسماعيل على المنطقة، يتخذ هذا المبنى تصميم المنازل التقليدية المغربية التي تتوفر على ساحة داخلية مفتوحة تتوسطها نافورة مائية، محاطة بأروقة وغرف بالإضافة إلى طابق علوي.

تطوان:
هي مدينة يطلق عليها لقب الحمامة البيضاء، والسبب هو وجود تمثال لحمامة بيضاء في وسط المدينة، أحيائها القديمة أندلسية الطابع، تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بين مرتفعات جبل درسة وسلسلة جبال الريف، تتميز بقدرتها الحفاظ على الحضارة الأندلسية فيها، مع تكيفها المستمر مع الروافد الثقافية الواردة إليها، مما أثرى وميز تاريخها العريق، مررنا بها مرورا ونحن في طريقنا إلى مدينة طنجة، وكل المدن التي مررناها مدن ساحرة بطبيعتها من الجبال الخضراء فبطول الطريق بين المدن تجاورك الجبال التي يكسوها اللون الأخضر والتي تتغذى على مياه الأمطار.

طنجة:
مدينة تاريخها غني جدا نظرا لكونها مركز التقاء للعديد من الحضارات المتوسطية، فقد انشئت لتكون حاضرة أمازيغية ومرفأ فينيقيا خلال القرن الخامس قبل الميلاد، وقد أثرت عدة حضارات متعاقبة عليها بدءا باليونانيين وانتهاءا بالحضارة الإسلامية حين فتحها الأمويون عام 702 تتميز بكونها نقطة التقاء بين البحر الأبيض والمحيط الأطلسي من جهة، وبين القارة الأوروبية والأفريقية من جهة أخرى، ومن يقف على شواطئها يرى الشاطئ الأخر من أوروبا، تعتبر من أهم مراكز التجارة والصناعة بشمال أفريقيا.

جرت رياح مضيق جبل طارق، وأمواج البوغاز، حيث يلتقي المحيط الأطلسي بالبحر الأبيض المتوسط، بما تشتهيه جغرافيا القارة الإفريقية، لتنحت قوى الطبيعة في مدينة طنجة، نافذة على أوروبا أخذت شكل القارة السمراء، هذه النافذة ليست سوى فوهة مغارة تقع بمدينة طنجة في أقصى الشمال الغربي للبلد الإفريقي الذي لا تفصله عن إسبانيا سوى 14 كيلومترا، وما إن يدخل الزائر من الفوهة حتى يشعر وكأنه داخل منزل مكيف بهواء طبيعي، تنبعث منه سيمفونية لَحنها حركات المد والجزر، وتلامس الأمواج بالصخر القريب، وإيقاع الرياح، وفي تناغم بين التاريخ والجغرافيا، تحمل المغارة اسم “هرقل” يعود تاريخه إلى ما يزيد عن 2500 سنة قبل الميلاد، منذ عهد الرومان والفنيقيين، وتشمل مغارة طبيعية وأخرى اصطناعية منحوتة.

المغارة كانت ملاذا لعيش السكان القدماء الذين كانوا يمارسون أنشطة حياتهم اليومية في هذا المكان، وتعتبر المغارة التي تم اكتشافها عام 1906 من أكبر مغارات إفريقيا، توجد بها سراديب تمتد على مسافة 30 كلم في باطن الأرض، ويرجح الباحثون أنها كانت تُستغل كمعمل لصناعة الرحى “مطاحن تقليدية للحبوب” منذ الفترة الرومانية حتى العصر الحديث، وتضم الآثار المكتشفة بها تماثيل آدمية وأدوات حجرية وخزفية تدل على أهمية الحضارة التي عرفتها المنطقة خلال العصر الحجري الحديث.

الرباط:
استغرقت رحلتنا بالسيارة من طنجة إلى عاصمة المرابطين 5 ساعات قطعت السيارة خلالها مسافة تزيد عن 580 كيلومتراً، وهي مدينة مخزنية وحاضرة كبرى بأسوارها وأبراجها الشامخة وجوامعها ومآذنها وزواياها، استحقت بما تحتضنه من مآثر تاريخية أن تكون عاصمة دولة المرابطين الذين بنوها، وتقع بجهة الرباط سلا القنيطرة، على ساحل المحيط الأطلسي في سهل منبسط فسيح، وعلى الضفة اليسرى لمصب نهر أبي رقراق الذي يفصل المدينة عن سلا المدينة القديمة، تشتهر المدينة بصناعة النسيج كما أن بها جامعة محمد الخامس أول جامعة حديثة أسست بالمملكة.

أسس الموحدون العاصمة الحالية للمغرب في أواسط القرن الثاني عشر، فقد بنى فيها عبد المؤمن “رباط الفتح” وهي نواة مدينة محصنة شملت بالإضافة إلى القلعة، مسجداً وداراً للخلافة، ويعتبر حفيده يعقوب المنصور، المؤسس الحقيقي لمدينة الرباط، فقد ذكر عدة مؤرخين أن اكتمال بناء المدينة كان على عهد أبي يوسف المنصور، بما في ذلك السور والبوابات، وقد فازت مدينة الرباط بالمرتبة الثانية في قائمة CNN أحسن المقاصد السياحية لعام 2013

كل الفنادق التي نزلناها بالمغرب فنادق صغيرة، فالفندق منهم أو “الرياض” كما يسمونه، اكتشفنا أنه في الأصل أحد البيوت القديمة التي كان يقطنها أحد تجار أو أعيان المدينة في أزمنة خلت، فنسق البيوت وكمية الزخارف في جدرانها وأبوابها الخشبية، وما تضمه من أقواس جميلة وأثاث خشبي تقليدي ونوافير تتوسط أفنية البيوت المفتوحة على السماء، كلها تفصح عن أن أسر ميسورة الحال كانت تقطن تلك البيوت يوماً ما، إنها بيوت عريقة يعود بناؤها إلى ما يزيد عن 100عام، تتألف عادة من طابقين، تتميز بالزخارف الجصية والأبواب الخشبية والأقواس واللمسات التي تعكس روح المدن العريقة، وتضع من يقطنها في صميم اللحظة التاريخية التي تختزل حياة مدينة بأسرها، هذه البيوت تم تحويلها إلى فنادق سياحية صغيرة، لا تضم أكثر من 6 إلى 8 غرف في أحسن الأحوال، سميت “رياض” لتميزها عن الفنادق التقليدية، في قلب هذه الأجواء الساحرة كان كل شيء معداً بطريقة صحيحة ومعاصرة ليلائم حاجة نزلاء الفندق.

لقد استثمر الغربيون وبخاصة الفرنسيين في هذه البيوت بعد أن اشتروها من أصحابها الأصليين وحولوها إلى نُزل ومنامات يستمتع بأجوائها القادمون من أوروبا المجاورة، في مدينة شفشاون تحديداً كان مالك “الرياض” فرنسياً، رغم أنه لا يتحدث العربية لا هو ولا زوجته، فإنهم يستقبلون النزلاء بابتسامة عريضة ويقدمون لهم النصائح والخرائطة لتساعدهم على اكتشاف المدينة.

وكنت قد قرأت عن المغرب قبل أن أزوره، لكن خلال الزيارتين للمغرب (( أقدر أطلع بقصص عامة عن ثقافة شعب وطباعه وسلوكه، خاصة أنه من أبعد الشعوب في منطقتنا العربية، وثراءه وتنوعه الجغرافي والتاريخي يروى منه قصة ممتعة.

من أكثر الحاجات اللي لفتت انتباهي هي الاسلام في المغرب، لا يشبه اسلام أهل مصر أو السعودية أو تركيا، اسلام بطابع مختلف يحكي قصة في كلمتين “النصر والهزيمة” من المغرب خرج الاسلام منتصراً وفاتحاً للأندلس وإليه خرج وعاد مهزوماً، انطبعت تلك الصورة على حياة أهل المغرب في حالة لا تلاحظ إلا بالتدقيق، فمثلا المئذنة المغربية المربعة تختلف في طرازها عن مآذن مصر وتركيا، مثلاً المستديرة هي هي نفس المآذن المستخدمة في فرنسا واسبانيا، مآذن أشبه بنقطة مراقبة في حصن أو أشبه بالطابية.

الجلباب المغربي للرجال “اللي بزعبوط” وهو يخفي نصف الوجه العلوي في حال ارتداءه، يوحي بهيئة رجل لا يريد أن يراه أحد من التخفي، الخط المغربي وهو مزيج من اخطلاط الثقافة العربية بالافريقية بالأندلسية، أنتج خطوط جميلة ولكنها أشبهه بالخناجر في كتاتبها كالـ “س”و “ن”و “م” حتى قراءة القرآن الكريم في المغرب، براوية ورش عن نافع، إلا أنها تختلف عن الرواية المألوفة لنا، قراءة القرآن بها حماس كحماس جنود يدخلون معركة، حتى الأذان المغربي خاصة في مدينة مثل شفشاون وهي مدينة هاجر إليها أهل الأندلس المسلمون بعد طردهم من الأندلس، نبرة الأذان توحي بألم الرحيل والصبر عليه أكثر من كون الأذان نداء يتغنى به.

دولة المرابطين.. العاصمة الرباط.. سيدي بوزيد.. سيدي عابد.. سيدي سلمان.. وأي مدينة فيها كلمة سيدي فهم من الشيوخ الصوفية المرابطين على الحدود وعلى خط الساحل المغربي، نفس فكرة أسامي سيدي كرير.. سيدي براني.. سيدي عبد الرحمن على طريق الساحل في مصر.. هي مناطق استوطن بها شيوخ مرابطين لحماية الحدود الساحلية وكلها آثار بقيت للمرابطين أو حرس الحدود.

لذلك الحالة أو المزاج الاسلامي في المغرب مختلف عن كل البلاد التي استقبلت الاسلام فقط، أما المغرب فاستقبلت الاسلام وصدرته وعاد اليها مطرود، وهي الحالة التي وصفها “الدعاء الناصري” يوصف حالة أهل المغرب منها القول بـ “فنحن يا من ملكه لا يسلب.. لذنا بجاهك الذي لا يغلب”))

الشعب المغربي المشهور بطعامه في الطاجن المغلق بغطاء، واللحم بالقراصية، والكسكسي المطبوخ كبديل للأرز، والحمام المغربي والصابون والطمي الطبيعي، بلد ساحر بطبيعته وأهله، تشعر بالحزن عند مغادرته وتتمنى العودة يوماً ما، فقلما تجد هذا التناغم بين الجبال والطبيعة وطيبة الأهل، ففي رحلتي للمغرب لم أشعر بالغربة عن مصر، فعشق الشعب المغربي المضياف للمصريين والسينما المصرية والفن المصري بشكل عام عادل إمام وأم كلثوم وعبد الحليم… كل هذا جعلني أشعر أني لم أغترب، فكنت أتنسم عبير الوطن في كلام الناس وقصصهم عن مصر وفنها وأهلها، الذين كنوا كلما تحدثوا معنا ينهون حديثهم بعبارة “مصر أم الدنيا والمغرب أبوها”

من يزور المغرب مرة سيشتاق إليها “بزاف” وسيعود لزيارتها مرات، هكذا يقال وأنا أيضا أقول وعودت لزيارتها مرة أخرى في شهر رمضان المبارك مايو 2018 وكانت الزيارة لمدة يوما فقط.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى